علي الهجويري
100
كشف المحجوب
المعاصي على اللّه فقد فجر ، إن اللّه لا يطاع بأكراه ، ولا يعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد من المملكة ، لكنه لمالك لما ملكهم ، والقادر على ما غلب عليه قدرتهم فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن لهم صادا ، ولا لهم عنها مثبطا ، فإن أتوا المعصية وشاء أن يمن عليهم ، ويحول بينهم وبينها فعل ، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجبارا ، ولا ألزمهم إياها إكراها باحتجاجه عليهم ، أن عرضهم ومكنهم وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما دعاهم إليه ، وترك ما ينهاهم عنه ، وللّه الحجة البالغة والسلام . ويقصد الحسن أن العبد مختار في كسبه بقدر استطاعته من اللّه عز وجل والدين بين الجبر والقدر . ولم يكن مرادي من هذا الخطاب إلا هذه الكلمة ولكني أوردتها بجملتها ، لأنها بينة الفصاحة والبلاغة ، وقد أوردتها لأبين إلى أية درجة بلغ رضى اللّه عنه في علم الحقائق والأصول ، فإشارة الحسن البصري بالرغم من بلاغتها تعد من بدء العلم . وقد قرأت أنه بينما كان الحسن بن علي جالسا عند باب داره في الكوفة ، إذ جاء أعرابي سبه وسب أباه وأمه ، فنهض الحسن بن علي قائلا « أيها الأعرابي ! ، أجوعان أنت حتى أطعمك ، أم ظمآن حتى أرويك ، أم ما ذا بك فلم يلتفت الأعرابي إليه بل استمر في سبابه ، فأمر الحسن عبده أن يأتي بكيس من الفضة ، ثم أعطاه للرجل قائلا : « عفوا أيها الأعرابي فليس لدى غيره ، ولو كان لدى المزيد لأعطيتك » وعندما سمع الأعرابي منه هذا القول صاح : « أشهد أنك ابن بنت النبي ، فقد جئتك أختبر حلمك » . هكذا يكون أولياء اللّه الحقيقيون ، الذين لا يهمهم أمدحهم الناس أم لاموهم ، والذين يسمعون اللوم هادئين فيستوى عندهم مدح الخلق لهم أو قدحهم فيهم . [ الإمام الحسين ] 2 - ومنهم نور آل محمد ، الذي هو من كل العلائق مجرد ، سيد زمانه أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنهما . كان من محققي